محمد حسين هيكل

152

حياة محمد ( ص )

الإخاء أساس الحضارة الإسلامية وحجر الأساس هذا هو الإخاء الإنساني ، إخاء يجعل المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وحتى يصل به هذا الإخاء إلى غاية البر والرحمة من غير ضعف ولا استكانة . سأل رجل محمدا : أي الإسلام خير ؟ فقال : « تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف » . وفي أول خطبة ألقاها بالمدينة قال : « من استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقة من تمر فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها » . وفي خطبته الثانية قال : « اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاه ، وأصدقوا اللّه صالح ما تقولون ، وتحابوا بروح اللّه بينكم : إن اللّه يغضب أن ينتكث عهده » . بهذا وبمثله كان يحدّث أصحابه وكان يخطب الناس في مسجده ، مستندا إلى جذع من جذوع النخل التي يعتمد عليها سقفه ، حتى أمر فصنع له منبر من ثلاث درجات ، كان يقوم على درجته الأولى خطيبا . وكان يجلس في درجته الثانية . إخاء محمد والمسلمين ولم تكن أقواله وحدها دعامة الدعوة إلى هذا الإخاء الذي جعل منه حجر الزاوية في حضارة الإسلام ، بل كانت أعماله وكان مثله هو هذا الإخاء في أسمى صور كماله . كان رسول اللّه ؛ لكنه كان يأبى أن يظهر في أيّ من مظاهر السلطان أو الملك أو الرياسة الزمنية . كان يقول لأصحابه : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ؛ إنما أنا عبد اللّه ، فقولوا عبد اللّه ورسوله » . وخرج على جماعة من أصحابه متوكئا على عصا فقاموا له ، فقال : « لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا » . وكان إذا بلغ في مسيره أصحابه جلس منهم حيث انتهى به المجلس . وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقصى المدينة ، ويقبل عذر المعتذر ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، ولا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته ، فإذا فرغ عاد إلى صلاته وكان أطيب الناس نفسا وأكثرهم تبسّما ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب . وكان في بيته في مهنة أهله يطهر ثوبه ويرقعه ويحلب شاته ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويعقل البعير ، ويأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس والمسكين . وكان إذا رأى أحدا في حاجة آثره على نفسه وأهله ولو كان بهم خصاصة . وكان لذلك لا يدخر شيئا لغده ، حتى لقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في قوت عياله . وكان جم التواضع ، شديد الوفاء ؛ حتى لقد وفد للنجاشي وفد فقام بخدمتهم ؛ فقال له أصحابه : يكفيك . فقال : إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم . وبلغ من وفائه أنه ما ذكرت خديجة إلا ذكرها أطيب الذكر ؛ حتى كانت عائشة تقول : ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة لما كنت أسمعه يذكرها . ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها ؛ فلما خرجت قال : إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وأن حسن العهد من الإيمان . وبلغ من طيبة نفسه ورقة قلبه أنه كان يدع بني بناته يداعبونه أثناء صلاته . بل لقد صلى بأمامة ابنة بنته زينب يحملها على عاتقه ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها . رفق محمد بالحيوان ولم يقف بالبرّ والرحمة اللذين جعلهما دعامة الإخاء الذي قامت الحضارة الجديدة على أساسه عند الإنسان ، بل عدّاهما إلى الحيوان كذلك ؛ كان يقوم بنفسه فيفتح بابه لهرّة تلتمس عنده ملجأ ، وكان يقوم بنفسه على تمريض ديك مريض ، وكان يمسح لجواده بكمّ قميصه . وركبت عائشة بعيرا فيه صعوبة فجعلت